استقيل ولا تكن ثقيل

0
3

بشفافية

حيدر المكاشفي

استقيل ولا تكن ثقيل

تبقت فرصة وحيدة وأخيرة للمناضل الثوري سابقا مدني عباس مدني وزير التجارة والصناعة حاليا، لتصحيح وضعه بركل الوزارة والعودة لصفوف الثوار، وهي أن يتقدم باستقالته بعد أن فوت فرصة الاعتذار عن الاستوزار، ليس فقط بسبب تعهداته الشخصية بعدم مشاركة قيادات (قحت) بكافة مكوناتها في مستويات السلطة السيادية والتنفيذية، ولا بسبب تأكيدات قيادات (قحت) بالازورار عن الاستوزار، فقد وضح أن تلك كانت تعهدات وتأكيدات مضروبة، بل بسبب أن تنحيه هو رغبة ومطلب السواد الأعظم من الثوار وهو يعلم هذه الحقيقة، بل ويعلم أن أسود البراري أسود الثورة استشاطوا غضبا وأشعلوا النيران رفضا مغلظا لقبوله المنصب، ولكن رغم ذلك فالثوار لا ينكرون عليه دوره الثوري البطولي الذي أداه من خلال تجمع المهنيين في قيادة الثوار حتى لحظة الانتصار، وانما يحفظون له ذلك ويريدون له أن يحتفظ بمبدئيته ونقائه وطهارته الثورية، وأن لا يلطخ تلك الصورة الباهرة والمواقف الباذخة ويبدو كمن يتهافت على السلطة، واذا ما تراجع عن قبول المنصب وعاد الى جادة الثورة فسيعود هو مدني الذي يعرفه الثوار، أما اذا ما تمادى في التسلطن وكنكش في الكرسي، فلا شك أن الثوار سيسقطونه من ذاكرتهم ويمسحوا اسمه من سجلاتهم، وعليه أن يختار ما بين السلطة الزائلة والثورة الباقية والخالدة..
ولكن للأسف يذهب ظني الى أن مدني سيتشبث بالوزارة ولن يستقيل، ودليلي على ذلك أنه لما تم رفضه بالباب من وزارة مجلس الوزراء وبدلا من أن يحترم نفسه ويلملم أطرافه اذا به يعود بالشباك لوزارة التجارة والصناعة، وطالما أنه يصر الحاحا على الاستوزار فلن يستقيل، وربما يعتبر الاستقالة هروب وتولي يوم الزحف مثله مثل وزراء العهد البائد، الذين يعتبرون أن تقديم الاستقالة سبة ووصمة وهروب وتولي يوم الزحف، فمن قبل حين اشتدت أزمة المياه بالعاصمة، سألت إحدى صحف الخرطوم مدير عام هيئة مياه ولاية الخرطوم، إن كانت لديه الرغبة في تقديم استقالته طوعاً واختيارا، بعد عجزه عن حل أزمة المياه بالعاصمة.. فكر المدير وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال: لا، لن أستقيل من منصبي، لأن الاستقالة تعني التولي يوم الزحف، هكذا قال المدير وكأنما هو في أتون حرب ضروس شعاره فيها (إما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا)، كما أذكر أن علي كرتي حين كان يشغل منصب وزير الخارجية، سئل يوما عما اذا كانت فكرة تقديم استقالته قد راودته في لحظة ما، قال رداً على السؤال (لم أفكر في تقديم استقالتي)، وليته وقف عند هذا الحد، بل زاد عليه بما يثير العجب ويجعلك (تدي ربك العجب)، فعند الوزير أن تقديم الاستقالة هروب، وبالتالي يعتبر المستقيل هاربا، إذ جاءت إجابته الكاملة كما يلي (لم أفكر في تقديم استقالتي لأنها هروب).. وغير مثالي الوزير والمدير هناك الكثير من الأمثلة التي نحت نحوهما، فطوال العهد البائد لم يحدث أن كانت هناك استقالة بالمعنى، وإنما بدعة عرفت بمسمى (استراحة محارب) وهي فترة نقاهة يقضيها (المحارب المرهق) ريثما يتم تدبير منصب أعلى له..فهل يعتبر مدني عباس مدني ويسارع بتقديم استقالته أم ينتظر حتى يسمع الصفافير والهتاف الشهير استقيل يا ثقيل..

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك