الإعوجاج

0
4

بلا حدود

هنادي الصديق

الإعوجاج

حالة الإحتقان التي تعيشها عدد من ولايات السودان عقب تعيين الولاة المدنيين، كانت أمرا متوقعا جدا ولا غرابة فيه خاصة من أصحاب المصلحة المتدثرين بثياب الوطنية.
وخيرا فعلت الحكومة بإمتصاصها للغضب وإدارتها للملف بهدوء والبعد عن ردود الأفعال المضادة لحين معالجة ما يمكن معالجته إن كان هناك ما يستحق المعالجة، أو تصحيح الأخطاء إن ثبت وجودها.
هذه الضجة كانت تستوجب عمل إعلامي كبير موازي لحجم النقلة الكبرى في بداية تثبيت هياكل السلطة الإنتقالية، فتغيير الولاة العسكريين الذين عطلوا الحياة تماما بولاياتهم، كان مطلب ثوري مستمر، وطبيعي ومتوقع جدا ان يواجه بعاصفة من الإحتجاجات ممن تضررت مصالحهم مع العسكر، أو ممن لم يستوعبوا حجم الازمة بعد.
والإعلام تكمن أهميته في توعية المواطنين بخطورة هذه الإحتجاجات على الثورة ومستقبل البلاد، وكان من المفترض أن تسبق قرارات التعيين جرعات تعبوية بأهمية الخطوة وفوائدها وأسبابها، مع طرح برامج الولاة في ولاياتهم عبر أجهزة الإعلام المختلفة، لأن ذلك من شأنه خفض حدة الإحتجاجات وربما كان من الممكن ان يكون سببا في عدم تجاوب المواطنين مع أصحاب المصلحة من الذين يقودون شرارتها اليوم.
نعترف، إعلامنا الحكومي ضعيف للغاية ويبدو أنه يعمل بلا خطط واضحة، وهذا يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة ما لم يتم تدارك الأمر مبكرا، فالثورة مستمرة وإستكمال هياكل السلطة مستمر ولن يتوقف، ومعروف أن ذلك الإنتقال يمر بمنعطفات ومطبات خطيرة جدا يمكن أن تؤدي إلى تهتك في النسيج الإجتماعي، والإنفلات الأمني، والفوضى بشكل عام، وفرض هيبة الدولة لا تأت بالقوة الجبرية كما يتوهم البعض، بل بالقانون المدعوم بالتوعية بحجم التحديات الجسام التي تواجه الجميع بلا إستثناء (مواطن وحكومة).
ما أعنيه هنا هو إستشعار الجميع الدور الذي ينتظرهم للنهوض بالبلد وإبعاد شبح الفوضى التي يسعى لها البعض من الداخل والخارج. وفي ظل عدم اللا مبالاة التي يعيشها الكثير جدا من المواطنين هذه الأيام خاصة المتعاملين بشكل مباشر فيما يخص معاش الناس، فكل ماهو سيئ متوقع، ومع إقتراب موعد فتح المدارس والجامعات، ستكون الفرصة مواتية جدا لأصحاب الأجندة الخبيثة لإحداث الفوضى بشكل أكبر وأعمق من ذي قبل، لذا فالواقع يتطلب النظر إليه بعين مختلفة هذه المرة.

ضائقة معيشية، أزمة مواصلات، إنعدام أدوية، تردي بيئة صحية ومدرسية وأمنية و….الخ، كل ذلك محفز لإيقاظ الخلايا النائمة لتعبث في ثورة الشعب بحثا عن مجد زائل وآمال عراض في العودة مرة أخرى. لذا فعلى السيد وزير الإعلام أن يعي تماما أن المرحلة القادمة هي الأخطر في تاريخ الثورة بعد أن شيطنت جهات الحاضنة السياسية للحكومة وجعلتها تبدو للمواطن في صورة (دراكولا) مصاص الدماء، ولعكس هذه الصورة لابد من التعامل بشكل أكثر مسؤولية، وقفل القنوات المؤدية لتجسير العلاقة بين الشارع وبقايا النظام السابق.

لا داعي لظهور كوادر المؤتمر الوطني بأجهزة الإعلام الرسمية لينهشوا في جسد الثورة والثوار معا، فعدد غير قليل من المواطنين بسطاء غير مدركين حقيقة ما يجري من صراع أفيال بين الحكومة والنظام السابق وبين المستفيدين منه من جهة، وحقيقة الصراع الدائر بين مكونات الحرية والتغيير فيما بينها وخطورة ذلك على الثورة من إنقسامات يمكن أن تكون سببا في المزيد من الفوضى غير المرحب بها في الوقت الحالي.

إعلام الثورة مطلوب منه الوعي التام بمهامه، والنشطاء مطلوب منهم توسعة المدارك قليلا وعدم اللهث وراء إرضاء نزعات حزبية طائشة، وتسخير صفحاتهم وحساباتهم على وسائل التواصل الإجتماعي لدعم الحكومة الإنتقالية بالكامل، وتقديم النصح أو النقد لها بغرض تصحيح المسار وإستعدال الإعوجاج، بدلا عن التفرغ التام للتشفي وضرب الشركاء بقصد إضعافهم، لأن إضعاف الشريك إضعاف للحكومة ككل.
الجريدة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا