المنهج المعطوب

0
5

نبض الوطن

احمد يوسف التاي

المنهج المعطوب

 

كتب الزميل بكري المدني أمس في زاويته الراتبة بالسوداني “الطريق الثالث” مطالباً بإبعاد من سماهم “أبناء الشمال النيلي” من تشكيلة الحكومة المقبلة، وعدم تقلدهم أي منصب في الوقت الحالي، ولتوضيح فكرته بجلاء كتب : ” لأجل تحقيق العدالة ورد الحقوق ولأجل تصفية النفوس واستقامة الحياة يجب أن تمضي السلطة كاملةً إلى كل السودانيين عدا الشماليين في الفترة الحالية”، ولم يحدد المدني من يقصد بالشماليين تحديداً، هل كان يقصد أبناء الولاية الشمالية وحدها، أم بإضافة ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض ونهر النيل، أم يقصد المصطلح الجنوبي الذي كان يقسم السودان إلى “جنوبيين” و”شماليين”..؟؟..!!
كثير من العبارات التي وردت في المقال مثل ” الشماليين، أبناء الشمال النيلي، أولاد البحر، الهامش والمركز” تجعل فكرة المقال كلها قائمة على مفاهيم جهوية تنطلق من مكنونات صراع الهامش والمركز”…
صحيح هناك مُشكلة تتعلق بحظوظ البعض في السيطرة على مقاليد الحكم والاستئثار بالسلطة، وصحيح تماماً أن هناك أقاليم كثيرة جداً في السودان عانت من انعدام التنمية وتناقص فرص مشاركة أبنائها في الحكم…إذن نحنُ نتفق مع الزميل المحترم بكري المدني في وجود المشكلة وتشخيصها، لكننا نختلف معه اختلافاً تاماً في منهج المعالجة الذي عمد إليه، ونختلف معه أيضاً في الانزلاق نحو التصنيفات والمصطلحات الجهوية من شاكلة “أبناء الشمال النيلي، والشماليين، وأولاد البحر” هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المصطلح نفسه ينطوي على تعميم مخل جداً، لأن هناك كثير جداً من الشماليين حُرموا من أبسط الحقوق والخدمات وهجروا ديارهم بسبب انعدام خدمات التعليم والصحة والماء ، حتى قال عنهم رياك مشار عندما زار الشمالية: ( لو أن لديهم غابة لتمردوا) في إشارة إلى بؤس الحال وتوفر أسباب التمرد ، أريت يا بكري كيف ظلمتَ هؤلاء بالتعميم ، لذلك أقول كان يجب على الأخ بكري أن يضع عوضاً عن تلك المصطلحات الجهوية المُفخخة عبارة ” النخب الحاكمة”، أو “النخب السياسية” ، أو حتى “النخب الشمالية” لأنها عبارة محددة تتحدث عن عناصر ظلت تتبادل السلطة والمواقع …
وإذا أقررنا بأن هذه “النخب الشمالية” ظلت تتولى إدارة شؤون الحكم منذ الاستقلال دون غيرها أو أنها تتعمد إقصاء الآخرين ، فإن ذلك يعني أن منهج الحكم كان معطوباً ويعاني من خلل كبير في المعايير والأسس التي يقوم عليها ، إذن هنا تكمن المشكلة، والرأي عندي أن تُعالج هذه المشكلة بالتأسيس لدولة القانون والحكم الرشيد الذي يصون الحقوق والحريات وتبدو فيه معايير اختيار الحكام واضحة من كفاءات وخبرات وبالطريقة الديمقراطية، لكن تختزل الحل في الإقصاء الذي مارسته ” النخب” فما ذاك إلا إعادة تدوير المشكلة ، ومُعالجة الخطأ بالخطأ… فإذا ارتكبت هذه “النخب” الممارسات الخاطئة من إقصاء وإبعاد وعزل للآخرين فهل الحل هو اتخاذ ذات المنهج الإقصائي القديم أم أن الحل هو وضع الأسس الثابتة التي تجيب على السؤال المطروح منذ الاستقلال: “كيف يُحكم السودان”.. اللهم هذا قسمي فيما أملك…
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك