المُزارع التّائه!!

0
2

حاطب ليل

د. عبد اللطيف البوني

المُزارع التّائه!!


)1(
قُلنا بالأمس، إنّنا استبشرنا بالزراعة التّعاقدية كنمطٍ من أنماط علاقات الإنتاج الجديد، فهي تُريح الدولة من التّمويل الزِّراعي وتَجعلها تنصرف لمَشاريع أُخرى، كما أنّها سَوف تدخل تقنيات زراعية جديدة وهي أكثر لصقاً بالمُزارع، إذ يُمكن تلافي أيِّ ضررٍ يحدث للمحصول، والأهم أنّها خطوة يُمكن أن تكون تجربةً تُمَهِّد لتنظيمات المُزارعين أن تتولّى أمرها من التّحضير إلى التّسويق.. وقد أَدْهَشَتْنَا الزِّراعة التّعاقدية بسعر التركيز الذي لم يألُفه المُزارع السُّوداني من قبل، ولكن للأسف هذه الشركات عِوَضاً عن أن تتقدّم إلى الأمام تراجعت إلى الخلف فمُعظمها – خَاصّةً الكبيرة منها – كانت مُموّلة من البنك الزراعي وهو بنك حكومي.. ثُمّ ثانياً لم تدخل أيِّ تقانات جديدة، لا بل بعضها لم يَفِ بالتزامه للمُزارعين بدفع سلفيات للعمليات الفلاحية، كَمَا أنّها عَجَزت عن تلافي الأوبئة، فكانت كارثة هذا الموسم )الميلي بق( الذي لحق محصول القطن أُمّات طه.!
عليه لا بُدّ من التفكير في صِيغةٍ جَديدةٍ لدَفع عَجَلَة الإنتاج في البِلاد.
)2(
استراتيجية الدولة مُتّجهة نحو إشراك القطاع محلياً كان أم أجنبياً وذلك لأن هذا أصبح تَوجُّهاً عالمياً، فالتّمويل الخَارجي والسُّوق الخَارجي يَميل دوماً نحو القطاع الخَاص ويَهرب من التُعامل مع الحُكومات، كَمَا أنّ القِطاع الخَاص له مُرُونة تجعل إدارته أكثر كفاءةً والأهم أنّه يعطي الدولة فُرصة أن تنصرف نحو البنيات الأساسية كنوعٍ من أنواع تَقسيم العَمل، فالدَّولة للخدمات والقطاع الخاص للإنتاج.
نَحنُ في السُّودان جَرّبنا ومَا زلنا نَعيش في تَجربة القطاع العام، ولكن التّسييس العالي أودى بكل مَرافق القطاع العام، فبالإضافة للزِّراعة تَدهورت السِّكة حَديد والخُطُوط الجوية والخُطُوط البحرية وغيرها من المَؤسسات، وفي نَفس الوقت قِطَاعَنا الخَاص ضَعيفٌ ومُتردِّدٌ وغَير مُنظّمٍ في مُعظمه، فالزِّراعة التّعاقدية فُرصة لتَجاوز هذا الضعف في القطاعيْن العَام والخَاص، لأنّ مطلوباتها لَيست كَثيرةً، كَمَا أنّ مَخاطرها ليست كَبيرة خَاصّةً بعد دُخُول التّمويل الزِّراعي كَطَرفٍ في العَمليّة الإنتاجيّة، وبما أنّ الزراعة التّعاقديّة لحقتها الشيخوخة المُبكِّرة لا بُدّ من القفز فوقها إلى صِيغةٍ أُخرى تَبقَى على هذه الشَّراكة بين القطاعيْن الخَاص والعَام.
)3(
في تقديري، إنّ أفضل صيغةٍ هي صيغة المُزارعة وهي شَراكةٌ كَاملةٌ بين المُزارعين والشّركة، فالمُزارع منه الأرض والعمليات الفلاحية وهذه تُقدّر قيمتها، والشركة منها بقية المُدخلات من التّحضير إلى التّقاوي إلى المُبيدات والمُخَصّبات وليس هناك سعر تَركيز، والتّسويق يكون شراكة بين الطرفين، وبعد التّسويق تُخصم التّكلفة وتأخذ الدَّولة ضرائبها وجماركها وزكواتها، ثُمّ تُقسّم الأرباح بين الطرفين الشركة والمُزارع، وساعتها سوف يتكلّم المُزارع بالدولار، لكن بحقه وليس مثل ناس )زعيط ومعيط ونطّاط الحيط( الذين يَسدُّون الأُفق علينا دون وجه حق.
ولكن الوضع الأمثل هو أن يتولى المُزارع أمره كله من طَقْ طَقْ إلى السَّلام عليكم، بمعنى أن يُسيطر على إنتاجه كُلّه ولا يجعله يَغترب عنه وهذا يتطلّب تَنظيمات للمُنتجين، فاتّحادات المُزارعين كَانَت تَجربةً نَاجحةً في وقتها ولكنها الآن تحتاج إلى تطويرٍ حتى تخرج من التشرنق النقابي لتصبح مُتحرِّكة بعقلية )سيد الحق(، فمُزارع اليوم مع تقنيات الاتصال المُتطوِّرة يُمكنه أن يدير أمره من تحضير الأرض إلى بيع المحصول في السُّوق العالمي، لا بَل يُمكنه وعن طريق تَعاونيّاته أن يصنع مَحاصيله ولا يُصدِّرها خاماً.. أما تنظيمات المُزارعين القائمة فهذه فكرتها جيِّدة ونُصُوصها جيِّدة، لكن التّلاعب في التّطبيق أنتَجَ مَسخَاً مُشَوّهاً أضرّ بالزّرع وبالمُزارع.

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك