تعطيل القطارات أهون من تعطيل مسيرة الوطن (لا شطط ولا تشدد)

0
11

للعطر افتضاح

د. مزمل أبو القاسم

تعطيل القطارات أهون من تعطيل مسيرة الوطن (لا شطط ولا تشدد)

*(حرية سلام وعدالة)، شعار جاذب ومُدهش، صدحت به حناجر الشباب على مدى أربعة أشهر متتالية، سعياً منهم إلى بناء دولة الحرية والديمقرطية والمواطنة والمؤسسية والحقوق المدنية والعدالة الشاملة والسلام المستدام.

*رددوا الشعار الجميل بأفواههم، وطرزوه بدمائهم، وفدوه بأرواحهم، وبات لزاماً على القوى التي تبنته معهم أن تتمسك بكل حرفٍ فيه، ولا تُفرِّط في أي بندٍ منه.

*من يزعمون أن قُوى الثورة مارست تعنتاً غير مقبول، برفع سقف مطالبها للمجلس العسكري، وتوجيهها للشباب بعدم مفارقة مقر الاعتصام، لا يعرفون في ما يبدو أن تلك المطالب وردت في صُلب إعلان سياسي وحقوقي شهير، تم توقيعه في شهر يناير الماضي، وليس بعد سقوط نظام الإنقاذ.

*ورد في الإعلان مطالبة صارمة بالتنحي الفوري للنظام، وتشكيل حكومة انتقالية قومية، من كفاءات وطنية، بتوافق كل أطياف المجتمع السوداني، تعمل على وقف الحرب بمخاطبة جذورها وآثارها، ومعالجة مسببات التدهور الاقتصادي، وتحسين ظروف حياة المواطنين، وإقرار ترتيبات أمنية مُكمِّلة لاتفاق سلام عادل وشامل، مع الإشراف على تدابير الفترة الانتقالية، لتنفيذ عملية تحوُّل آمن، من دولة الحزب الواحد إلى نظام تعددي ديمقراطي، يختار فيه الشعب ممثليه عبر انتخابات تلي الفترة الانتقالية، وتلبِّي كل معايير النزاهة والشفافية.

*شمل الإعلان مطالبة بإصلاح الخدمة المدنية، وهيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، لضمان استقلاليتها وقوميتها وعدالة توزيع الفرص فيها، وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية، بالإضافة إلى بنود أخرى تتعلق بمنع كافة أشكال التمييز تجاه المرأة السودانية، وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات، وتقديم من أفسدوا الحياة السياسية، وخربوا الاقتصاد، وتعدُّوا على المال العام إلى محاكماتٍ عادلةٍ، تحكمها القوانين والمواثيق الوطنية والدولية.

*مقايسة المطالب التي رفعتها قوى الحراك الثوري مع إعلان الحرية والتغيير، تؤكد أنها تخلو من الشطط والتشدد، وتمثِّل عين ما ورد في إعلانٍ صدر قبل أكثر من ثلاثة أشهر من الآن.

*لا يمكن الحديث عن إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية بمعزل عن المطالبة بحل التنظيمات المسلحة الموازية للقوات النظامية، وإعادة هيكلة جهاز الأمن، كي يؤدي الدور المنصوص عليه في دستور 2005.

*لن يكون بمقدور قوى التغيير أن تتطرق إلى تطوير منظومة الحقوق العدلية والحقوقية في بلادنا من دون المطالبة بإعادة هيكلة وإصلاح النيابة العامة والمؤسسة القضائية، بإبعاد من وقفوا مكتوفي الأيدي في مواجهة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان السوداني، وصلت حد إعدام عشرات الثوار رمياً بالرصاص في الشوارع، وإصابة المئات منهم، واعتقال الآلاف، واقتحام البيوت، وترويع الآمنين، وجلد الشباب وحتى النساء والأطفال في الشوارع، من دون أن تتمكن المنظومة العدلية المختلة من توقيف أي متهم، أو محاكمة أيٍّ ممن ارتكبوا جرائم مروعة، تم توثيقها بالصوت والصورة.

*المطالب التي تمسكت بها قوى التغيير منطقية، ومسنودة بالإعلان الذي حكمها منذ شهور، وتنفيذها بالكامل لا يقبل الجدل، ولا يحتمل التفريط، وأي حديث عن فض الاعتصام، وعودة شباب الثورة إلى دورهم قبل تطبيقها حرفياً، يعد من لغو الحديث، ولن يحظى بأدنى استجابة من الثوار، الذين أكدوا عزمهم على عدم التفريط في ثورتهم بشعار (أحرار.. ثوار.. حا نكمل المشوار).

*تبرير المطالبة بفض الاعتصام بأنه يُعطِّل سير القطارات أعلى نفق بُرِّي ليس مقنعاً لأحد.

*سيعود أولئك الشباب الميامين إلى منازلهم، ليرتاحوا من عناءٍ وكدٍ وعنتٍ ونضالٍ استمر أكثر من مائة وعشرين يوماً بمجرد صدور قرارات واضحة ومباشرة من المجلس العسكري، تُلبِّي كل المطلوبات الواردة في إعلان الحرية والتغيير.

*تعطيل القطارات أهون عند أهل السودان من تعطيل مسيرة الوطن، بالإبقاء على إرث النظام الذي حوَّل البلاد إلى حطام.

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك