حكاية دعم الفقراء..!!

0
2

حديثة المدينة

عثمان ميرغني

حكاية دعم الفقراء..!!


أمضينا نهار أمسٍ حوالي ثلاث ساعات في لقاء جمع عدداً كبيراً من الصحفيين والإعلاميين برئيس الوزراء السيد معتز موسى في مقر المجلس.. وتُضجرني حد الألم طريقة اللقاءات الصحفية التي تجمع الأسئلة كلها في كوم لتعطي المتحدث الرئيسي بعد ذلك مساحة )محاضرة( طويلة.. يضطرُّ فيها إعادة إلقاء كل سؤال مرة أخرى قبل الإجابة عليه مما يضاعف من الوقت المهدر..
بصراحة؛ أكثر ما يعطل قدرات هذا البلد الأمين التسليم بمسلمات يرددها المسؤولون بمنتهى العفوية، كما حدث أمس في لقاء رئيس الوزراء..
معتز قال إنَّ )الدعم لا يذهب لمستحقيه( ويقترح أن يكون معيار تمييز من يستحق الدعم، فاتورة الكهرباء.. لأنَّ الكهرباء لا تكذب.. فالذي يستهلك بالحد الأدنى هو في لائحة من يستحقون الدعم.. وعلى الدولة أن تسلمه دعمه مباشرة نقداً..
هذه العبارة العجيبة تتردَّدُ على ألسنة السياسيين كثيراً .. عبارة )الدعم يجب أن يذهب لمستحقيه(.. ويضربون المثل بوقود السيارات الصغيرة )البنزين( الذي بالضرورة يستهلكه من يملكون سياراتٍ، وهم بالتالي شريحة يجب أن تكون خارج الدعم..
هذا محض تبسيط جارح ومخل .. بل ومدمر.. مدمر لأنَّه يقسم المجتمع طبقياً بصورة تجعل شرائحَ كثيرة تنظر بغبن لآخرين، يرون أنَّهم يسرقون ما يجب أن يصلهم من دعم.. فهي إثارة لكراهية اجتماعية بلا مبرر..
تقسيم المجتمع –رسمياً- إلى أغنياء وفقراء هو تأجيج لنيران اجتماعية علاوة على خطر انفجارها وحريقها فهي تتخطى حقيقةً مهمة للغاية.. حقيقة العلاقة بين الثري والفقير..
الثري الذي يؤسس الأعمال والمصانع لا يعمل فيها بنفسه وأسرته فحسب، بل هي ملاذات وحواضن لأرزاق عشرات أو مئات أو ربما آلاف من العاملين فيها.. فخلف كل غني طابور من الفقراء يعملون معه.. والذي يقدم )الدعم( الحقيقي للفقراء هم الأثرياء قبل الحكومة.. ولو دعمت الدولة الغني.. فهي تدعم من خلفه طابور الفقراء الذين يعملون معه..
كم عاملاً في مجموعة “دال” المعروفة؟ عشرة آلاف عامل تقريباً.. كم من العاملين في الشركة التجارية الوسطى؟ كم في مجموعة النفيدي؟ كم في مجموعة أولاد محجوب؟ ربما عشرة فقط من أثرياء السودان يعولون في شركاتهم أكثر من العاملين في حكومة ولاية الخرطوم.. فلنفترض أنَّ الدعم وصل إلى هؤلاء العشرة الكرام.. كيف هي المقارنة مع ما يقدمونه هم من دعم لمئات الآلاف من العاملين في أعمالهم المختلفة؟
في تقديري؛ الأحكم أن نتخلص تماماً من حكاية )الدعم يذهب لمستحقيه(.. ونستنبط معادلة أخرى.. معادلة تقيس المواطن بما يقدمه لا ما يستهلكه.. فتقدم الدولة الدعم لمن يقدم لغيره.. بهذا يصل الدعم بصورة أفضل إلى الفقير لكن من يد الغني لا يد الحكومة..
توفير أبواب الرزق الحلال أفضل للفقير من أيِّ مال صدقة تقدمه الحكومة.. وفرص العمل توفرها المشروعات والأعمال ..
لا تقسموا الدولة لفقراء ضد أغنياء.. فالقياسُ بالإنتاج لا بالاستهلاك..

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك