خطبة الجمعة

0
8

———-

ساخر سبيل _ الفاتح جبرا

خطبة الجمعة

  الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أما بعد أيها المسلمون :�لقد أَوْحَى اللهُ بِالعَمَلِ إِلى سَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، وشَتَّانَ بَيْنَ الإنسان الكَسُولِ الخَامِلِ والمُجِدِّ العامل ِ، فَالكَسُولُ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ عِبَادِهِ، وَالعَامِلُ المُجِدُّ يَكُونُ صَلاَحاً لأُمَّتِهِ وبِلاَدِهِ، قَالَ تَعَالَى: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وقَالَ سُبْحَانَهِ وتعالى: (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً) ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وامتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وهَدْيَ آيَاتِهِ، واعلَمُوا -رَحِمَكُم اللهُ- أَنَّ الإنسان مأموربالكَسْبَ قَالَ تَعَالَى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) .� عِبَادَ اللهِ :� إن من مندوبات العمل (القوة والأَمَانَةَ) ، فَهُمَا يَحْمِيَانِ العَامِلَ أو الموظف مِنَ الوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ، وهُمَا مَطْلَبُ أَصْحَابِ الأَعْمَالِ وأَرْبَابِ المُؤَسَّساتِ، ولِتَحقَيقِهِمَا تُسَنُّ القَوانِينُ والتَّشْرِيعَاتُ، فَقَدْ حَكَى اللهُ عَنِ ابنَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَاصِفَةً مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-، ووَاضِعَةً المِعْيَارَ الدَّقِيقَ لاختِيَارِ المُوْظَّفِينَ، والمِيزَانَ الحَقَّ فِي الحُكْمِ عَلَى العَامِلينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) فَالقُوَّةُ والأَمَانَةُ أَمْرَانِ مَطْلُوبَانِ فِي كُلِّ عَمَلٍ ومِهْنَةٍ، ومَرْغُوبَانِ فِي كُلِّ مُهِمَّةٍ ووَظِيفَةٍ، وتَخْتَلِفُ القُوَّةُ بِاختِلاَفِ الوَظِيفَةِ وطَبِيعَتِها، وتَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ المَهَامِّ ومَطَالِبِها، فَالقُوَّةُ فِي الوَظِيفَةِ العَسكَرِيَّةِ قَدْ تَخْتَلِفُ عَنْها فِي الوَظِيفَةِ المِدنية ِفلكل وظيفة متطلباتها إلا أن جميع الوظائف والأعمال تتطلب الإِتْقَانُ والخِبْرَةُ، فَالقَوِيُّ هُوَ ذَلِكَ المُتْقِنُ لِحِرفَتِهِ وعُلُومِها، العَارِفُ بِمِهنَتِهِ ومُتَطَلَّبَاتِها، جاء فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : (إِنَّ اللهَ يُحْبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ)، إِنَّ إِتْقَانَ العَمَلِ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ، وضَرُورَةٌ حَضَارِيَّةٌ، وغَايَةٌ فَردِيَّةٌ وجَمَاعِيَّةٌ، عَلَيْها خَلَقَ اللهُ الوُجُودَ، قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) ، فَسَيْراً علَى هَذِهِ السُّنَّةِ الإِلَهِيَّةِ، وَتَنَاغُماً مَعَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ وَجَبَ علَى كُلِّ عَامِلٍ إِتْقَانَ عَمَلِهِ.

� أَيُّهَا المُسلِمُونَ:� إِنَّ لإِتْقَانِ العَمَلِ قَواعِدَ وأَسَاسِيَّاتٍ، ولإِجَادَةِ المِهنَةِ مَطَالِبَ وَضَرُورِيَّاتٍ، وأَهَمُّهَا العِلْمُ والمَعرِفَةُ، وَهُمَا مَطْلَبٌ في الوَظَائِفِ، وَضَرُورَةٌ في الأَعمَالِ، والمَعرِفَةُ وإِنِ اختَلَفَتْ طُرُقُ تَحصِيلِها، وتَنَوَّعَتْ وَسَائِلُ اكتِسَابِهَا خاصة في هذا العصر ، إِلاَّ أَنَّها تَبقَى أَسَاساً لِلرُّقِيِّ لاَ بُدَّ مِنْهَا، وَضَرُورةً لِتَحسِينِ الإِنتَاجِ لاَ مَحِيصَ عَنْهَا، قَالَ تَعالَى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) ، إِنَّ المَعرِفَةَ لا تُورَثُ مِنَ الآبَاءِ بلْ تَحصُلُ بِالجِدِّ والاجتِهَادِ، وتُنَالُ بِالبُحُوثِ والدِّرَاسَاتِ، والقِراءةِ والمُطَالَعاتِ، والعِلْمُ بَحرٌ لاَ سَاحِلَ لَهُ، والعَاقِلُ اللَّبِيبُ مَنْ شَمَّرَ عَنْ سَوَاعِدِ الجِدِّ لِلارتِقَاءِ بِمُستَوَى مَعرِفَتِه، وَتَحسِينِ أَدَاءِ وَظِيفَتِه، فَالمُسلِمُ يَنظُرُ إِلَى إِتْقَانِ العَمَلِ علَى أَسَاسِ أَنَّهُ غَايَةٌ يَسعَى إِلَيهَا أَدَاءً لِلأَمَانَةِ، وَمَطْلَبٌ حَضَارِيٌّ يَجِبُ السَّعيُ لَهُ مِنْ غَيرِ تَقْصِيرٍ أَوِ استِهَانَةٍ، وإِتْقَانُ العَمَلِ لاَ يَحصُلُ إِلاَّ بِتَعَاوُنِ الجَمِيعِ، فَالمُؤَسَّسَاُتُ مَدعُوَّةٌ لِتَنمِيَةِ قُدُرَاتِ عَاملِيها، وَالتَّخْطِيطِ لِلارتِقَاءِ بِمُوَظَّفِيهَا عبر الدورات التدريبية والكورسات التأهيلية مما يجعل تَكَاتُفُ المُؤَسَّسَاتِ الحُكُومِيَّةِ وَالقِطَاعَاتِ الخاصة في هذا الشأن وَاجِباً وَضَرُورَةً لِلإرتقاء بالبلاد وِتَنْمِيَةِ المُجتَمَعَ ، قَالَ تَعَالَى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاحرِصُوا عَلَى الأَمَانَةِ في أَعْمَالِكُمْ، تَصلُحْ أَحْوَالُكُمْ، وَيُبَارِكِ اللهُ في أَمْوَالِكُمْ.� أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.�

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا